Sunday, April 15, 2018

رسائل الحب المُحَرَّم بين ألبير كامو وماريا كاساريس





رسائل الحب المُحَرَّم بين ألبير كامو وماريا كاساريس







ستيفاني لاكافا
ترجمة أسماء يس

في خلال الأسابيع الماضية انغمست في قراءة مجموعة من المواد أصلية المصدر، لعمل ضخم من الرسائل الأدبية؛ كتاب كبير في نحو 1300 صفحة، يحوي رسائل أصلية وبطاقات بريدية تبادلها الفيلسوف والأديب الفرنسي ألبير كامو والممثلة الإسبانية الفرنسية ماريا كاساريس بين عامي 1944 و 1959.
الكتاب أضخم من أن أحمله معي في المترو، لذلك حمَّلت نسخته الإلكترونية على تليفوني، الذي التقطت كاميرته مئات اللقطات
  screenshots للرسائل المتبادلة بالفرنسية بين الحبيبين. نُشر الكتاب عن دار نشر جاليمار، ولم يترجم بعد إلى الإنجليزية.

قصة الحب بين كامو وكاساريس أكثر ثراءً، إن لم يكن أكثر حزنًا، خصوصًا لو أخذنا في الاعتبار طبيعة عمل كل منهما، فهناك تشابه غريب في الحياة والفن، والعبث هو اليقين الوحيد، وهذا ما يتأكد مرارًا وتكرارًا  في المصادفات والحظ.

التقى الاثنان للمرة الأولى في 6 يونيو 1944، وهو اليوم الذي وصلت فيه قوات الحلفاء إلى نورماندي. كان كلاهما مشاركًا في مسرحية كامو "سوء تفاهم" التي عرضت على مسرح ماتيوران في باريس. قبل المسرحية اصطحب كامو كاساريس إلى أمسية عند جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار (لاحظت الأخيرة مدى جمال الممثلة الشابة وثقتها في نفسها). ويقال إن علاقتهما العاطفية بدأت في تلك الليلة، كانت كاساريس في الحادية والعشرين وكامو يكبرها بتسع سنوات. لكن علاقتهما المشتعلة انتهت فجأة عندما عادت زوجة كامو، عالمة الرياضيات وعازفة البيانو فرانسيس فور، إلى باريس من الجزائر بعد الاحتلال.


بعد ذلك تولى كامو رئاسة تحرير صحيفة كومبا، وهي صحيفة من صحف المقاومة كانت تصدر بشكل سري، وأنجبت زوجته توأمين؛ كاثرين وجين. في هذه الأثناء تلقت كاساريس عرضين لدورين من أهم أدوارها، دور الزوجة التي ظلت تعاني لفترة طويلة في فيلم "أبناء الجنة"، ودور العاشقة المهجورة في فيلم "السيدات من غابة بولون". وبعد أربع سنوات من لقائهما الأول، وفي 6 يونيو 1948 التقت كاساريس كامو مصادفة في شارع سان جيرمان، واستمرت مراسلاتهما بلا انقطاع على مدى اثني عشر عامًا تالية.

لنحو تسعمئة رسالة، تبادل الاثنان تفاصيل حياتهما اليومية مع مسحة من المرح اللاهي. كنت أرغب في قص سطور الرسائل المبكرة، لنرى مدى التوافق بينهما بعد أكثر من عقد على بدء العلاقة. منذ البداية أكد كامو لكاساريس أنه لم يتغير إلا قليلاً، سواء في مشاعره، أو في المدينة نفسها، حيث عبرا شوارعها للمرة الثانية، كتب لها عن الأشياء المزعجة العتيدة في باريس، كانت كاساريس دومًا تسعى للأدوار، وتسخر من رائحة البطاطس المقلية المقرفة التي تملأ بلجيكا، ومع ذلك فإنها تجد وقتًا لتفاصيلها اليومية الخاصة؛ التي تضم الكثير من السجائر والعناية بوالدها وقطتها كاتسو.
كانت الرسائل أحيانًا عبارة عن ملحوظات مقتضبة؛ تحية سريعة قبل الذهاب إلى النوم، أو جمل متناثرة "سباجيتي وجريب فروت"، وأحيانًا كانت رسائل مطولة، مليئة بالتساؤلات وآخر الأخبار، كانت كاساريس كثيرًا ما تسأل عن أطفال كامو، لم يكن هناك أي إنكار للواقع.

"سوف تحبين هذا البيت، 
ورائحة الليالي، إنه هادئ في المساء" يكتب كامو إلى كاساريس، وفي رسالة منفصلة يرسل غصنًا من زعتر الجبال المحلية. 
"أكتب إليك من قلب عاصفة جميلة" يقول في رسالة من جملة واحدة " هناك مطر وبرق ورعد، أمضيت اليوم ألعب مع كاثرين وجين".
كان كامو يدرك أن زواجه عقبة في طريق حبهما "هذا الحب سيء الحظ ليس ما تستحقين"، يقول لها "لقد وجدت معك قوة الحياة التي اعتقدت أني فقدتها" وفي رسالة أخرى "[أنت] الشخص الوحيد الذي جعلني أبكي"، كان واعيًا لكلماته، وأحيانًا يعيد قراءة الرسائل قبل إرسالها " أنا متعب وخائف من الاستمرار في هذه النغمة، هذا فقط لأخبرك عن لون اليوم وعن أفكاري؛ إنها ثقيلة وساخنة، يوم للصمت، وللعري، وللغرف ذات الظلال، وللهجر، أفكاري بلون شعرِك، ويوم الاثنين وما يليه ببضعة أيام بلون عينيك" ولاحقًا "أكتب اسمك في الليل يا عزيزتي ماريا". يتحدث عن الآحاد المليئة بالكتابة، حتى عندما يشعر أن الأمر يكاد يكون مستحيلاً كانت كاساريس تشجعه.

"أحبُكَ" تقول له "اكتب..اكتب..الأيام صعبة وطويلة..أحتاج إلى رسائلك كي أعيش.. نم، استرخ" كانت تسأله عن رأيها في عمله، وكان يرد باحترام  مماثل لعملها.
يكتب لها كامو "رسالتك يا جميلتي حزينة بعض الشيء، كيف أستطيع أن أساعدك؟ رفيقك المخلص موجود من أجلك.. تعلمين ذلك". وذات مرة ختم رسالته إليها بـ" تاج من القبلات لملكة الأحلام" ويشيد بأدائها "نعم، تستطيعين أن تكوني سعيدة، أنت عظيمة.. وممثلة كبيرة".

في مقدمة الكتاب ذكرت كاثرين ابنة كامو أن أخطاء كاساريس اللغوية تم تصويبها في النسخة النهائية للكتاب، وربما كان الأسلوب ليضيع دونها. بعد وفاة والدتها  في 1979 اشترت كاثرين المراسلات من كاساريس، وجلبت الكتاب لدار نشر جاليمار.
بعض القطع من الأوراق المختومة بالاسم أعيد نسخها طبق الأصل في الكتاب، بالإضافة إلى رسومات هنا وهناك، والرسائل التي أرسلت برقيًّا تظهر مؤرخة وبالأحرف الكبيرة. كنت أرغب في رؤية المزيد من النسخ الأصلية؛ الهالة التي تم التقاطها في خط يد العاشقين الغاضب. في نهاية إحدى الرسائل هناك ملحوظة أن الرسالة تضم رسما للشمس بخط كامو، وكنت أود أن أراه. على الغلاف الخلفي للكتاب ما يدل على روح الدعابة عند كامو "أربع رسائل بلهاء، يكتب فيها كامو بالنيابة عن كاساريس بحثًا عن مكان يصلح للإيجار في الصيف". في إحداها " مدام.. كلمتين: أنا قذر وساخن، لكني لست وحدي، إذن ليكن الشاطئ والماء وغرفتان وغابة، وبلا مقابل..أو تقريبًا.."

بمرور الوقت هناك قلق واضح ومكتوب من أن يكون حبهما قد خبا، وأن الخزي المعتاد والتعود قد ترسخا، ربما بسبب الوهم المعلق بالحب عن بعد. تكتب كاساريس "أحتضنك كما في المرة الأولى"، "أحب قلبك، وكل ما أنت عليه..كلما فكرت فينا وجدت أنه من العبث عدم الاعتقاد في الخلود".
كانت زوجة كامو على علم بعلاقاته المؤلمة "كاساريس لم تكن الوحيدة"، وقد عانت من الاكتئاب وحاولت الانتحار عام 1954.

في الرسائل تم الحفاظ على الرغبة في التفاصيل الصغيرة، في اللحظات المكثفة التي كانا يقضيانها معًا، كانا يحولانها إلى أسطورة وهما بعيدين عن بعضهما البعض، في ذكرياتهما، فتصير تلك اللحظات أكثر مرونة، وأسطورية أكثر مما لعلاقة يومية يمكن أن تكون.

شيء واحد تغير مع مرور الوقت، في الرسائل لم تعد كاساريس تحث كامو على الكتابة، بل كانت تمنحه الحنان بدلاً عن ذلك "عش كما تريد أن تعيش، إن كنت تشعر أنك لا تريد الكتابة، لا تكتب.. تعلم أنه لا يسعنا الآن إلا أن نكرر أنفسنا"، طلبت منه أنه يرسل لها رسالة يخبرها أن كسله على ما يرام، ولو في كلمة واحدة "سأعرف فقط ما أريد أن أعرفه، ومن جانبي سأفعل الشيء نفسه"، في رسائل لاحقة ستكرر أنها بالفعل قد قالت له كل شيء، وأنها لا تتخيل الحياة دونه، لكن يجب عليها أن تفعل، وأنها أذعنت لغيابه الذي من خلاله سيكون دائمًا موجودًا من أجلها " نعم..أيا كان ما سيحدث فأنت موجود في حياتي إلى الأبد".

في الرسالة الأخيرة، يقول كامو " جيد.. الرسالة الأخيرة، فقط لأخبرك أنني سأصل يوم الثلاثاء.. قريبًا جدًا يا فاتنتي" يخبرها أنه عندما يصل الثلاثاء، سيبدآن قصة حبهما من جديد.

تنتهي المراسلات هنا.

بعد أيام من إرساله "رسالته الأخيرة"، وفي 4 يناير 1960، سيموت ألبير كامو في حادثة سيارة. وتجري الحكايات أنه كان هناك تذكرة قطار في جيبه. عاشت كاساريس بعده ستة وثلاثين عامًا، وتوفيت يوم عيد ميلادها الرابع والسبعين في منزلها بفرنسا.

يستمر التناغم بين الحياة والفن، بعد سنة من وفاة كامو أدت كاساريس دورها كأميرة، الوجه النسائي للموت، في الجزء الأخير من ثلاثية أورفيوس لجان كوكتو؛ في المسرحية هناك مثلث الحب بين الأميرة والشاعر وزوجته، يورييدس الحامل، في قصة تتخيل باريس بعد الحرب.



نُشر في باريس ريفيو 11 أبريل 2018





Tuesday, December 26, 2017

عشنا سعداء خلال الحرب. إيليا كامنسكي


عشنا سعداء خلال الحرب
إيليا كامنسكي





عشنا سعداء خلال الحرب
وعندما قصفوا منازل الآخرين اعترضنا،
لكن ليس بشكل كافٍ،
عارضنا،
لكن ليس بشكل كافٍ،
كنت في سريري،
وحول سريري كانت أمريكا تتهاوى؛
 تختفي؛ بيتًا فبيتًا فبيتًا
أخذت كرسيًّا وجلست في الخارج أتشمس،
في الشهر السادس من عهد كارثي، في بيت المال، الذي في شارع المال،
الذي في مدينة المال، الذي في بلد المال،
في بلدنا العظيم، بلد المال،
نحن،(سامحينا)، عشنا سعداء خلال الحرب.

Saturday, December 16, 2017

هذه الحجرة..جون أشبري











الحجرة التي دخلتها كانت حلمًا بهذه الحجرة
بالتأكيد كل هذه الأقدام على الكنبة هي قدماي
والبورتريه البيضاوي لكلب كنت أملكه زمان
 
شيء يلمع.. شيء مطموس!
كل يوم نأكل مكرونة على الغداء
ما عدا يوم الأحد
يولد  السمَّان الصغير قبل موعده ليقدم لنا
لماذا أخبرك بكل هذه الأشياء؟
وأنت لست هنا أصلاً!




Saturday, November 4, 2017

ملف تأميني. جين فالنتاين



ملف تأميني
جين فالنتاين


قشور البرتقال، والرسائل المحروقة، وأضواء السيارات الساطعة على العشب،
كل الأشياء تذهب إلى مكان ما
_كل ما نفعله_
 تتغير الأشياء،
لا شيء يختفي أبدًا.
صدى أشعة الشمس في الصور الفوتوغرافية، والشواطئ المتزحزحة، وخطوط الثلج، وخلايا جلدنا، ولقاءاتنا، وعزلتنا، وعيوننا،

تميل نحلة على النافذة وتطير بعيدًا، تطلق العنان لحياة، بلا ضرر، بلا خجل.
تلك المرأة، يا صديقي، تدور ضد حياتها، حياتها الزوجية،
ذاك الرجل، يا صديقي، منعزل، فوضوي، يقود سيارته بعيدًا عن المنزل،
 يقودهم، كل إلى الآخر.
أعرف الصعوبة، وأعرف نصف الخسارة معرفة جيدة،
الشعور الأول بالوحدة مجددًا، مؤثر وخارج المنفعة العامة، لتقول: أنا أعرف،
لكن أهناك أي إثارة للمشاعر في ذلك؟
في حلمي كانت هناك الكلمات: " ملف تأميني"، التأمين، 1. أ، المسجل أو كاتب العدل الذي يسجل أعمال المحكمة..
أن تكون هناك، لتسمع، لا لتنهتك..
 عزلة أخرى،
رأيت وجهها، خطوط الإرادة، والطيبة، والجوع، والصمت،
 تتحرك من شيء إلى آخر في المطبخ،
تتطلع من الشباك إلى شبابيك الشقة الأخرى،
تدور المرأة، تعد عشاءً،
لكم فرد تعد العشاء؟
وهي الآن تسقي الرزع.. ترى فيم تفكر؟
 رأسها وذراعها يبدوان آمنين.

" كل ما يحدث، يحدث مرة واحدة وإلى الأبد، أهذا صحيح؟ ماذا إذن؟
نعم، قصتك، كل آمالك، كل ما تفعله، ينكسر، يتغير..
"إن كان الأمر هكذا، ماذا إذن؟"
لا شيء يختفي، وأنت دائم..
الكلمات على الصفحة المفتوحة من الكراسة كانت: أشعر بالبرد الشديد، ورأسي يؤلمني..
تعالي، وابقي هنا في بيتي،
يومًا ما سنتمكن من القول: أنا فعلت هذا الشيء، وفعلت ذاك الشيء، وكنت تلك المرأة..
يومًا ما سنتمكن من استيعاب هذا العنف الذي في يدينا،
ربما سوف يفهمنا الذين سيخلفوننا، ربما يسامحوننا، مثلما سامحنا آباءنا، وأجدادنا،
ابتعدوا كثيرًا خلال حياتهم، وصمتهم.
والذين كنا معهم، ربما صداقتنا تستطيع أن تغير..
أن تُصلح..
تعالي، ابقي هنا. الأشياء تتغير.
لكنها بقيت في بيتها،
لا لتتعدى على الانتظار، هنا، في هدوء.  

Monday, October 16, 2017

إلى فيليب روث بمناسبة بلوغه الثمانين.. فريدريك سيديل




إلى فيليب روث بمناسبة بلوغه الثمانين

فريدريك سيديل 


أنا موسوليني،
والمرأة التي استلقت على مكتب الدوتشي خاصتي تبدو صغيرة جدًا،
صار المكتب مذبحًا مقدسًا،
المرأة عارية،
دعوت المرأة بالصغيرة فقط لأني بحاجة إلى قافية،
تبدو صدمة المرأة العارية عارمة،
 على سطح المكتب، وفي الوحل،
الدوتشي، الدوتشي، الدوتشي، من يجعل الفتيات تبتل،
ربما تكون هذه هي الأكثر بللا على الإطلاق، 


غالبًا ما فعل موسوليني هذا،
وضع البوت على المكتب الذي يعمل عليه،
وأنا أجلس على كرسي مكتبي، أحدق إليها،
وقد أعجبها ذلك،
أعجبها أن أحدق إلى صندوق إيرادتها،

الحقيقة أن كل شيء مسرح،
لقد تحصلت  على وجه آكل النمل،
الذي برز كقضيب ليتناول وجبة،
أنا الحليق الخائن ضارب الزوجة،
 أحضر عروض المسرح،
عليها طبعًا أن تكون زوجة رجل آخر!
أعيش وحدي مع حياتي،
بالنسبة لي، طلاق واحد كان كافيًا تمامًا،

فكرت في الراحل جو فوكس،
ومفهومه أنه لا يستطيع النوم دون امرأة في فراشه،
هو أيضًا أحب المحيط،
ونشر أعمال فيليب روث، عندما حصل فيليب البذئ على أول قراءة،

في مارس،
عندما يتساقط ثلج ما قبل الربيع، ويغطي المدينة بنعومة،
وتنشر الأشجار فروعها، كرئات تنشر قصباتها الهوائية،
وتدق خيول الكارتّات المصطفة بحوافرها، وتبيَّض بأناة،
أبقى مقيدًا بالسلاسل إلى مكتبي،
وأصفّر.

Saturday, October 14, 2017

القصيدة هي أنت.. جون أشبري



ترجمة أسماء يس
في أحد اللقاءات التلفزيونية، تسأل المذيعة جون أشبري: هل أنت بالفعل أهم شاعر أميركي على قيد الحياة؟ فيجيبها: لا أظن. لكن كثيرين يظنون أن جون أشبري الذي ولد في روتشستر في نيويورك عام 1927، وتوفي في 4 أيلول (سبتمبر) 2017 عن تسعين عاماً، هو بالفعل واحد من أهم الشعراء الأميركيين المعاصرين.
كان أشبري أكاديميّاً وناقداً وصحافيّاً ومترجماً (عن الفرنسية)، وشاعراً. هو واحد من شعراء مدرسة نيويورك؛ الجماعة الأدبية التي تكوّنت في الستينيات، وجمعته بفرانك أوهارا وجيمس سكايلر وكينيث كوك وآخرين. ترك أشبري نحو ثلاثين كتاباً شعريّاً؛ نشر أولها عام 1953 «توراندو وقصائد أخرى»، وتلاه «بعض الأشجار» و«أنهار وجبال» و«كما نعلم»، و«كانت النجوم لامعة»، و«اسمك هنا» وغيرها. أما أبرزها فهو ما صدر عام 1975 «بورتريه شخصي في مرآة محدبة» ويحوي قصيدة طويلة تحمل اسم الكتاب، وفاز بثلاث جوائز حال صدوره؛ منها جائزة «بولتزر» و«جائزة الكتاب الوطني». استمر أشبري في الكتابة، وفي 2016 نشر كتابه الشعري الأخير «هياج الطيور»
لا يمكن ببساطة مقارنة أشبري بأي من شعراء مدرسة نيويورك، وأظن أنه ليس في إمكاننا مقارنته بأي شاعر آخر، وليس غريباً أن تصادفنا مقالة نقدية بعنوان «دليل التعليمات لقراءة جون أشبري»، وأن تتساءل ناقدة أخرى: كيف أمكن لهذا الشاعر المعقد الغامض أن يحتل هذه المكانة في المشهد الأدبي الأميركي؟! فما عنده من الشعر يختلف كثيراً عما عند الآخرين، وتصوره لما ينبغي أن تكون عليه القصيدة أمر يخصه وحده، فلا يبحث أحد عن معنى واضح مباشر، لأنه إن فعلت فلن تجد. يستمر أشبري في تفكيك الحياة في قصائده، وهو شخصيّاً يحب اللعب، ويرى أن ما يفعله ليس 
غموضاً من أجل التعقيد بحدّ ذاته، بل من أجل السخرية واللعب





فلسفتي في الحياة
1995
عندما فكرت أن ليس ثمة حيز في عقلي لفكرة أخرى،
خطر ببالي فكرة عظيمة أسميتها فلسفتي في الحياة،
باختصار، هذا يورطك في العيش مثلما يعيش الفلاسفة،
وفقًا لحزمة من المبادئ،
 أوكيه، لكن أيها؟
أعترف أن الجزء الأصعب كان أني كنت أملك نوعًا من المعرفة المسبقة لما سيكون عليه الأمر،
كل شيء، أكل البطيخ، الذهاب إلى الحمّام، أو حتى مجرد الوقوف على رصيف المترو،
غارقًا في التفكير لدقائق، أو قلقًا أن الغابات المطيرة ربما تتأثر،
بتعبير أدق، منحنيا بموقفي الجديد.
 لن أتحول واعظًا، وأقلق على الأطفال وكبار السن، اللهم إلا بطريقة عامة حددها كوننا المتناغم،
بدلاً من ذلك، سأترك الأشياء، نوعًا ما، لتكون ما هي عليه،
بينما أحقنها بمصل المناخ الأخلاقي الجديد الذي أظن أنني تعثرت به،
كغريب يضغط خطأً لوحة خلف خزانة للكتب،
ليكتشف سُلّمًا مضاء بضوء أخضر في مكان ما بالأسفل،
فيخطو تلقائيًا إليه، وتنغلق خزانة الكتب،
وكما هو الحال في مثل هذه المواقف، يجتاحه العطر على الفور،
ليس الزعفران ولا الخزامى، لكنه شيء بينهما،
فكّر في الوسائد التي يتكئ عليها كلب عمه في بوسطن،
بينما ينظر إليه متسائلاً، وأذناه مطويتان فوق رأسه،
وهنا حدث الانفجار العظيم، الذي لا فكرة واحدة منه تكفي لجعلك تشمئز من التفكير،
ثم تتذكر شيئًا كتبه ويليم جيمس في كتاب لم تقرأه قط،
كان لطيفًا، امتلك اللطف كله، غبّره مسحوق الحياة، مصادفة بالطبع،
وعلى رغم ذلك لا زال يبحث عن دلائل بصمات الأصابع،
أحدهم استطاع التعامل مع الأمر،
حتى قبل أن يصوغه، رغم أن التفكير كان تفكيره هو فقط،
لا بأس، في الصيف، إن أردت أن تزور الشاطئ،
هناك رحلات كثيرة يمكن القيام بها،
بستان من الحور اليافعات يرحب بالمسافر،
وبالقرب منه المراحيض العامة، حيث نحت الحجَّاج الضجرون أسماءهم وعناوينهم،
وربما كتبوا رسائل أيضًا،
رسائل إلى العالم، بينما هم جالسون يفكرون فيما سيفعلونه بعد استخدام الحمّام،
ويغسلون أياديهم في الحوض، قبل أن يخرجوا إلى العراء ثانيةً،
هل كانوا مقتنعين بالمبادئ؟
هل كانت كلماتهم فلسفة، أو نوعًا ما مادة خام لها؟
أعترف أني لا أستطيع الحركة أبعد من قطار التفكير هذا،
شيء ما يعوق حركتي،
شيء لست ناضجًا بما يكفي لاكتشافه،
بصراحة، ربما أكون خائفًا،
ماذا كانت مشكلة الطريقة التي كنت أتصرف بها قبلاً؟
ربما أستطيع الوصول إلى حل وسط،
نوعًا ما، سأترك الأشياء لتكون ما هي عليه،
في الخريف سأصنع الجيلي، ضد برودة الشتاء وعبثه،
وهو ما سيكون أمرًا إنسانيًا، وذكيًا كذلك،
لن تحرجني تصريحات أصدقائي الغبية، ولا حتى تصريحاتي الشخصية،
رغم التسليم بأن هذا هو الجزء الأصعب،
مثلما تكون في مسرح مزدحم، وتقول شيئًا يزعج المشاهد الذي أمامك، الذي لا يحب أصلاً فكرة أن يتحادث شخصان بالقرب منه،
حسنًا، عليه أن يتدفق حتى يجد الصيادون فجوة للوصول إليه،
كما تعلم، هذا الأمر يعمل في كلا الاتجاهين،
لا يمكنك دائمًا أن تقلق على الآخرين، وتحافظ على مسارك في الوقت نفسه،
سيكون هذا مسيئًا،
لكنه يشبه نوعًا من المرح، في أن تحضر مثلاً زفاف شخصين لا تعرفهما،
مع ذلك فإن هناك الكثير من المرح في أن تظل في الفجوة بين الأفكار،
هذا ما خلقوا لأجله،
الآن، أريدك أن تخرج، وترفه عن نفسك،
نعم، استمتع بفلسفتك في الحياة أيضًا،
إنها لا تأتي كل يوم..
انتبه.. هناك واحدة كبيرة!










مفارقات ومتناقضات
1981
هذه القصيدة تهتم باللغة في مستواها العادي جدًا،
انظر إليها وهي تكلمك،
وأنت تنظر خارج النافذة،
أو تتظاهر بالتململ،
أنت تملكها لكن لا تملكها،
أنت تفتقدها وهي تفتقدك،
كلاكما يفتقد الآخر،
القصيدة حزينة لأنها تريد أن تكون قصيدتك،
وهو ما لا يمكن أن يحدث،
 ما المستوى العادي؟
إنه هذا وأشياء أخرى،
تشرك نظامهم في اللعب، اللعب؟
حسنًا، في الواقع أنا أعتبر اللعب شيئًا خارجيًا أعمق،
 نمط حالم،
كما هو الحال في تقسيم عطايا أيام أغسطس الطويلة دون برهان مطلق،
وقبل أن تعرفه يضيع في البخار وثرثرة الآلات الكاتبة،
ها هو قد لُعب مرة أخرى،
أظن أنك موجود فقط لتغيظني بفعلك ذلك،
على مستواك،
وبعدها تختفي،
أو تتبني موقفًا مختلفًا،
والقصيدة أجلستني على الأرض بجوارك،
القصيدة هي أنت.



نوافذ رطبة
1977
عندما أتى إدوارد رابان ماشيًا بطول الممر إلى المدخل المفتوح، رأى أنها كانت تمطر، لم تكن تمطر كثيرًا..
كافكا.. الإعداد لزفاف في الريف
المفهوم مثير للاهتمام؛
أن ترى الأشياء كما لو كانت منعكسة على زجاج نوافذ مشرعة،
نظرة الآخرين عبر عيونهم هم،
خلاصة انطباعاتهم الحقيقية عن اتجاهات تحليلاتهم الذاتية، المموهة بوجهك الشبحي الشفاف،
أنت في فيلم فالبالاس،
في حقبة قديمة، لكن ليست بالغة القِدم،
مستحضرات تجميل
وأحذية مدببة تمامًا،
تنجرف (إلى أي مدى يمكنك الانجراف، إلى متى أستطيع أن أنجرف بعيدًا في هذه المسألة)
مثل عفريت العلبة الذي يتجه نحو سطح الذي لا يمكنه الاقتراب منه أبدًا،
لا تخترق الطاقة الأزلية للحاضر،
الذي سيكون له وجهة نظره الخاصة في هذه الأمور،
وهي أن اللقطة المعرفية لتلك العملية المركبة، كانت حين ذكر اسمك للمرة الأولى في حشد أثناء حفل كوكتيل منذ وقت طويل،
وأن شخصًا ما (ليس الشخص المخاطب) سمع ذلك وأخذ الاسم فوضعه في محفظته لسنوات حتى بليت المحفظة وانزلقت الفواتير منها،
اليوم، أريد هذه المعلومات بشدة،
لا أستطيع الحصول عليها،
وهذا يغضبني جدًا،
يجب أن أستغل غضبي في صنع جسر، مثل جسر أفنيون،
الذي يرقص الناس فوقه فقط ليشعروا بالرقص فوق جسر،
يجب في النهاية أن أرى انعكاس وجهي كاملاً،
ليس على الماء، لكن على حجر أرضي رث من جسري،
سأحترم نفسي،
ولن أكرر تعليقات الآخرين عني.




الرسام
1956
يجلس بين البحر والمباني،
يستمتع برسم بورتريه للبحر،
وكما يتخيل الأطفال أن الصلاة هي مجرد صمت،
يتوقع هو أن موضوعه يتحقق بالمشي على الرمال، والعثور على فرشاة، ولصق البورتريه على القماش.
لذلك لم يكن هناك أي رسم على قماشه،
حتى قاطعه الناس الذين يسكنون المباني قائلين: "جرّب أن تستخدم الفرشاة وسيلة لتحقيق هدفك، اختر للبورتريه شيئًا أقل غضبًا واتساعًا، أكثر ملائمة لمزاج الرسام، وربما أكثر ملائمة للصلاة)،
لكن كيف يشرح لهم أن صلاته، للطبيعة، لا للفن، قد تسطو على القماش؟
اختار زوجته موضوعًا جديدًا للرسم،
جعلها هائلة، كمبان مدمرة،
كما لو أنه ينسى نفسه، البورتريه عبر عن نفسه بلا فرشاة،
تشجع قليلاً، وغمس فرشاته في البحر،
وتمتم بصلاة قلبية:" يا روحي، عندما أرسم البورتريه التالي، كوني أنتِ من يدمر القماش"
انتشرت الأخبار عبر المباني كالنار في الهشيم ؛ لقد ذهب إلى البحر من أجل موضوعه.
تخيَّل الرسام مصلوبًا على عمله
غير قادر حتى على رفع فرشاته،
استفز بعض الفنانين، فمالوا من المباني في مرح خبيث: "ليس عندنا صلاة الآن، لوضع أنفسنا على القماش، أو لجعل البحر يجلس أمامنا من أجل بورتريه"
آخرون أعلنوا أنه بورتريه شخصي،
في النهاية، كل الدلائل على الموضوع بدأت تتلاشى،
تركوا القماش أبيض تمامًا،
فوضع فرشاته،
فورًا انتشر عواء،
كانت هذه أيضًا صلوات انهالت من المباني المكتظة،
ومن فوق أعلى مبنى ألقوا عليه البورتريه،
التهم البحر القماش والفرشاة،
وكأن موضوعه قد قرر أن يظل صلاة!





ما الشعر؟
2007
مدينة من القرون الوسطى برسوم جدارية لفتيان كشافة من ناجويا؟
ثلج يتساقط حين نريد له يتساقط؟
صور جميلة؟
محاولة لتلافي الأفكار، كما في هذه القصيدة؟
لكن أنعود إليها، مثلما نعود إلى الزوجة، تاركين العشيقة المشتهاة؟
الآن عليهم أن يصدقوه، كما صدقناه،
في المدرسة مشطنا كل الأفكار،
وما تبقى منها كان حقلاً،
اغمض عينيك، وستشعر به ممتدًا حولك لأميال،
والآن افتحهما، على طريق عمودية رقيقة،
ربما يمنحنا.. ماذا؟
بعض الزهور قريبًا. 


Wednesday, September 20, 2017

يوميات نازح.. جوناس ميكاس





يوميات نازح
ترجمة أسماء يس
في 1944، وبينما كان في سن العشرين، غادر جوناس ميكاس (المخرج التسجيلي البارز) قريته الصغيرة في ليتوانيا، ليقبض عليه النازيون برفقة أخيه ألدوفاس.
بدأ ميكاس حياته الأدبية محررًا بصحيفة محلية أسبوعية، ونشر أولى قصائده. كما شارك في إصدار نشرة مضادة للألمان، وكتب قصيدة مضادة لستالين؛ "خُتم مرتين".
بدأ جوناس وألدوفاس رحلتهما إلى فيينا، مستهدفيين الوصول إلى سويسرا من هناك. لكن بدلاً من ذلك، انتزعا من القطار قرب هامبرج، ليرسلا إلى معسكر الاعتقال النازي، وهناك بدأ ميكاس يدوِّن يوميّاته. وأخيرًا، بالطبع، وصل إلى نيويورك.




في سنوات اليوميات، من 1944 حتى 1955، حيث تنقل ميكاس في أوروبا ما بعد الحرب، حتى مناظر المهاجرين إلى نيويورك في منتصف القرن " كان الشك هو الثابت الوحيد". في 1985 يقول ميكاس" عندما أعيد قراءة هذه اليوميات، لا أعرف حقًّا إن كانت حقيقة أم خيالاً..أقرأها وكأنها ليست حياتي أنا، بل حياة شخص آخر.. وكأن هذه المآسي لم تكن مأسيَّ قط! كيف استطعت أن أنجو؟ لا بد وأني أقرأ يوميات شخص غيري!". نُشرت اليوميات للمرة الأولى في بلاك ثيستل برس1991، بعنوان " ليس لدي مكان أذهب إليه"، وستعيد دار سبكتور بوكس طبعها هذا الشهر..
 في المدونات الثلاث التالية، سنة 1948، سنجد دوناس وألدوفاس في معسكر النازحين في فسبادن، ميكاس محبط ويشعر بالحنين إلى الوطن، لكنه عنيد، ومصمم على الحياة يومًا بعد الآخر.
نيكول روديك.



4 يناير 1948
مناخ ربيعي. رياح ربيعية. بلل ووحل في كل مكان.


11:30 صباحًا. جاء فالداس ودعانا كلنا لأكل الكوكولاي" الزلابية" هذا المساء، كانت أمه تطهو.
ذهبنا، ألجيس وليو وألدوفاس ولحقنا بوزيناس، إلى فالداس من أجل الزلابية، لكن أمه أعلنت أنها لم تَعِد بأن تطهو لنا، وكي نتسلى ذهبنا كلنا للتمشية.
في الشارع، كان هناك رجلان يوغوسلافيان ثملان، يحاولان تشغيل موتوسيكل، تجمع الحشد حولهما، وكان الجميع يضحكون. لقد شغَّلاه، لا، لقد وقعا، وها هما يحاولان ثانية، جاءت امرأة يوغوسلافية شجاعة، ومسكت أحد الرجلين من عنقه، وجرَّته، حرفيًّا، حملته بعيدًا إلى البيت. أعتقد ذلك.

أنهيت قراءة ستانسلافسكي. 
يتمشى ليو، ببطء شديد، كما لو كان سحابة سوداء. يشكو، إنه خائف أن يكون مصابًا بالسُّل. ظهره يؤلمه، يقول ربما يكون سرطانًا، يجب أن يذهب ليجري فحصًا.

قالت تيريزا " أنا امرأة عصرية، وأحترم الاتجاهات الحديثة، وأعتبر أن الأشياء الموجودة اليوم ضرورية، أمتثل لها، وأعيش بهذه الطريقة". قلت لها " أنت امرأة غبية، لا عصرية..أنت مؤمنة بالقدر، لو جاء شخص يومًا ما وأراد أن يقطع رقبتك، هل ستتقبلين ذلك أيضًا؟". أخذ جوزيف عائلته وابتعد مع ماري والطفل.
"لقد مُنحنا حرية التصرف، حرية اختيار التصرف. لا ينبغي أن نمتثل "للقدر". لا ينبغي أن نتبع كل ما يحدث اليوم بطريقة عمياء".
قالت تيريز إني شاعر، ومثاليّ، وأني لن أرى الواقع كما هو أبدًا. عندها أنهيتُ المحادثة.
 
قدر ما نستطيع نحاول إخفاء الغنائية، لكنها لا تنفك تظهر. لا يستطيع الليتواني أن يعيش بعيدًا عن الطبيعة، لا يمكن أن تفصله عن الأراضي الخضراء المتسعة، ولا عن جداول الماء، ولا عن خيوط العنكبوت الطائرة في الهواء آخر سبتمبر، ولا الغابات التي تعبق برائحة الطحالب والتوت.
لهذا استمر ينحت تماثيل المسيح الخشبية ويضعها على جوانب الطرقات، بوجوهها التي تنظر، دومًا، نحو الأرض، تنظر إلى الأرض، وتحلم. كان مسيحهم دائمًا ما يحلم. مسيحهم ليتواني، مسيح الطرقات الجميل!

أحيانًا يكون من الجيد السقوط في الفراغ، سواء كان شخصًا آخر، أو الشخص نفسه، أو مزبلة..

مباركة هي ساعات الفراغ..

أيا كانت فهي ليست ممتلئة..

مازالايتي: ماذا لدى الآخرين ليعلمونا إياه؟ ماذا هناك ليتعلمه الكُتَّاب من الآخرين؟ الكاتب، أو الفنان، مثل الطائر؛ عليه أن يغني، عليه أن يغني أيا كان غناؤه!".
أنا: غنِ، لكن كفى من فضلك، كفى، كفى، غناؤك مريع!

ذكرى
ذهبنا مع والدي إلى الغابة بالسيارة، كانت كل الطرق مقصوفة، ومليئة بالحفر، جلست في الجزء الخلفي من العربة. مع كل اصطدام للعجلات، يضطرب كل ما في داخلي ويتقافز، كبدي، ورئتايَّ...

حدوتة
كان هناك رجل، طلب منه الله أن ينفذ مهمة صغيرة، كانت مجرد مهمة صغيرة، ولا أعرف ماذا كانت بالضبط.  قال له: افعل ذلك، وستتحول هذه الأرض ثانية إلى جنة، لن يكون هناك ملوك، ولن يُضطر أي شخص للعمل، سيكون كل الناس أحرارًا وسعداء..إلخ.
أخذ الرجل يفكر، أيفعل ذلك أم لا؟ ذات يوم فكر فعلاً أن عليه أن يفعل ذلك، لكنه في اليوم التالي لم يكن متأكدًا، وفكر أنه ربما لا يجب أن يفعل "لماذا نحن في حاجة إلى الجنة؟ دع الناس يعملون، أهذه مشكلة كبيرة؟! هذا مفيد جدًا لنظامك". لكنه عاد في اليوم التالي وفكر" ربما، في النهاية، سيكون لطيفًا ألا نعمل، وألا نفعل أي شيء". وعلى هذا الحال، لم يستطع أن يتخذ قرارًا، استغرق الأمر أيامًا وهو يفكر في الأمر، حتى مات ذات يوم. يا له من أمر مؤسف.. لقد كان بوسعه أن يحول الأرض إلى جنة!
**
10 يناير 1948

أنت مدعو لقراءة هذا على أنه شذرات من حياة أحدهم. أو كرسالة من غريب مشتاق لوطنه. أو كرواية، خيال بالكامل، نعم، أنت مدعو لقراءة هذا على أنه خيال، الموضوع، والحبكة التي تربط بين هذه التفاصيل هي كيف شببت عن الطوق، هي حياتي. الشرير؟ الشرير هو القرن العشرون.

الأجواء حزينة قليلة في الغرفة الآن، أجلس وأنظر خارج النافذة، كان هناك جليد، ورياح رهيبة فجَّرت علب البسكويت الفارغة، وطيّرت التنانير، الناس يمشون على جانب الطريق ووجوههم إلى الوراء، والسحب..آه كم كانت السحب تمر بسرعة، مليئة بالبرد وأنا جالس هنا أفكر، وأتساءل كيف هي السحب الآن في ليتوانيا، وأصبحُ عاطفيًّا. لكن لم لا أكون عاطفيًّا؟ إذا كان هذا حزينًا، ليكن حزينًا، وساعتها لا شيء في إمكانك أن تفعله حيال ذلك، على الأقل ليس الآن. يمكن للواحد أن يلعب دور الشخص المتفائل، الشجاع، السعيد، لكنه في أعماق قلبه يشعر بهذا الحزن الدائم العظيم. لا يمكن الفرار من ذلك، من الحنين للوطن. لكنك تحاول أن تخفيه، أن تحدث نفسك للخروج منه، تحاول أن تتحايل عليه، لكن أفكارك تفضحك، وأحلامك تفضحك، كل شيء يفضح حنينك للوطن. وعندها، تشعر بالراحة، ما دمت تشعر بالحنين إلى الوطن فأنت تعرف أنك لست ميتًا بعد. تعرف أنك لا تزال تحب شيئًا!
*
28 يناير 1948
شفاينفورت. من رسالة إلى م بافارسكاس.

نود في منتصف فبراير أن ننشر عددًا جديدًا من مجلة سفلجسنياي. آمل أنك لن ترفض أن ترسل لي قصة قصيرة مختارة.

ماذا يحدث، ما الذي تكتبه؟ الرياح الفارغة تعوي في أرض أدبنا في المنفي (ليس الحال بأفضل في الوطن)، الحياة ثقيلة جدًا كصخرة، كنا ندفع إلى الأسفل في الثُكنات، أستطيع سماع الخطوات الحزينة للناس في غرفهم، جيئة وذهابًا، ذهابًا وجيئة، طول اليوم! (سيأتي أحد إليك ويضع يده على كتفك، ويسألك: ها، أهناك أخبار من الوطن؟ ثم يذهب بعيدًا، يذهبون بعيدًا، هؤلاء الناس، بعيونهم، في الماضي السحيق).
عندها، أحيانًا في منتصف الكتابة، ينهار كل شيء فجأة، لماذا؟ لمن؟ لمن أكتب؟ لماذا أكتب إن كان لا أحد سيقرأ هذا؟ ربما من الأفضل تركها، وحرقها في داخلك، فلا تولد أصلاً وتموت، إنهم يقتلون، ويمحون بلادي، الرجال ذوو الأصابع الدموية يسيرون في جميع أنحاء العالم مستهدفين رقبتي. سيخنقون شعبي كله، سيقطعون ألسنة الجميع، ما معنى الكتابة إذن؟ لمن أكتب؟

لذلك جلست إلى المائدة ثانية، وبعينين ثقيلتين حدقت إلى الورقة. كتبت، وكان كل ما أكتبه منقوعًا بيأس وجنون الزمن الذي نعيش فيه؛ جرائم مجنونة، وانتظار مجنون، عندما يكون الشيء الوحيد الذي تملكه هو الانتظار نفسه. بينما أنت تعلم أن هناك أناس، في مكان ما، يستطيعون العمل، يستطيعون فعل كل ما يريدون، في مكان ما، العجلة تدور، وأنت مجرد لا شيء صغير في العجلة الكبيرة، في الجحيم الكبير الذي تخمره القوى الكبرى.
لكن سيكون من الغباء أن تنتظر حتى يطحنوك. اجعلهم يعملون أكثر، اجعل الأمر صعبًا عليهم.. لذلك قف، وابدأ في تطويح ذراعيك يمينًا ويسارًا، أرجحهما في الهواء من حولك. تعال. تعال. نعم أنت، تعال وحاول أن تبتلعني. ربما سأقف في زورك، فتختنق، وربما تحتاج إلى معجزة.. من يدري! حتى جالوت انهار ذات مرة.
حين أنظر إلى العالم أجد أن الغالبية العظمى من الناس تريد الخير. حتى لو، بخجل، يأخذونه حين يعطى لهم. سواء كان خبزًا أو حرية، لكن أن تعمل من أجل ذلك، لا سمح الله، تلك الأشياء الجيدة وتلك السلبية. تعلم أن ما الذي يحتاجه الأخيار للتغلب على الشر؛ يحتاجون قليلاً من الشيطان في داخلهم.

والآن حان وقت دفاعنا عن هذه الأرض. اكتبوا...







* نشر في ذي باريس ريفيو 17 أغسطس 2017. 



رسائل الحب المُحَرَّم بين ألبير كامو وماريا كاساريس

رسائل الحب المُحَرَّم بين ألبير كامو وماريا كاساريس ستيفاني لاكافا ترجمة أسماء يس في خلال الأسابيع الماضي...